حول مشروع قانون الموازنة
حول مشروع قانون الموازنة
د. تيسير رضوان الصمادي
قامت الحكومة بإعداد مشروع قانون الموازنة لسنة 2012 في ظل ظروف بالغة الصعوبة وقدمته إلى مجلس النواب تمهيدا لإقراره. وبعد مناقشات ماراثونية استغرقت شهرين من الزمن، ها هي اللجنة المالية في المجلس الموقر توافق على مشروع القانون، كما جاء من الحكومة، بعد تردد ملحوظ في رده لإجراء بعض الملاحظات، التي قالت اللجنة أنها جوهرية، فيما قالت الحكومة أنها شكلية الطابع! وإذا صحت الروايات بأن اللجنة قد اعترضت على بند المساعدات الخارجية ووجدته مفرطا في التفاؤل وكانت تنوي الطلب من الحكومة تقليص هذا البد مقابل تقليص النفقات الرأسمالية، فإننا نعتقد أنها قد جانبت الصواب في ذلك، ليس لأننا نملك من القرائن ما يعزز من وجهة النظر الحكومية، ولكن لأننا نعتقد أن وجود مثل هذا الرقم قد يقوي من موقف الحكومة أمام مجتمع المانحين، ناهيك عن أن تقليص النفقات الرأسمالية ليس مطلبا موضوعيا في ظل ظروف تشهد تباطؤا في معدلات النمو الاقتصادي!
وعند النظر في بيانات مشروع القانون نجد أن العجز المالي، بعد المساعدات، سيصل إلى قرابة (1027) مليون دينار، أو ما نسبته (4.6%) من الناتج المحلي الإجمالي، ليسجل تراجعا ملحوظا نسبته (19.0%) مقارنة بالعجز المعاد تقديره لعام 2011. ولكن عند استثناء المساعدات، يرتفع العجز المقدر لعام 2012 ليصل إلى (1897.0) مليون دينار، أو ما نسبته (8.6%) من الناتج المحلي الإجمالي، منكمشا بحوالي (.023%) عن مستواه في العام السابق. وعلى الرغم من التحسن الملحوظ الذي تظهره هذه التقديرات فإن العجز المالي، سواء بقيمته المطلقة أو نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، ما زال يشكل تحديا كبيرا للاقتصاد الوطني وسوف يؤدي، بلا شك، إلى تضخم المديونية العامة، ويؤثر على الاستقرار المالي، وربما على الاستقرار الاقتصادي الكلي.
ولكن ما يلفت النظر، وما يستحق الدراسة، هو مجموعة الفرضيات التي استند إليها مشروع قانون الموازنة؛ وأول تلك الفرضيات توقع نمو الإيرادات المحلية في عام 2012 بحوالي (13.0%) مقارنة بمستواها في العام السابق، دون بيان الأسس التي تم الاستناد إليها للوصول إلى هذا النمو الكبير، في خطاب الموازنة الذي ألقاه وزير المالية في مجلس النواب! ونعتقد أن هناك مبالغة كبيرة في هذا التقدير لعدة أسباب، أبرزها أن أرقام إعادة التقدير لعام 2011 تظهر نمو هذه الإيرادات بنسبة (3.0%) فقط عن مستواها في عام 2010! وهو نمو نعتقد أنه لا يخلو من المبالغة أيضا إذا ما علمنا بأن هذه الإيرادات قد سجلت نموا متواضعا جدا نسبته (0.8%) فقط خلال الشهور الأحد عشر الأولى من العام الماضي، طبقا لبيانات وزارة المالية. وحسب علمنا فلم يكن هناك تطورات دراماتيكية خلال الشهر الأخير من العام الماضي ستؤدي إلى رفع معدل نمو الإيرادات المحلية إلى المستوى المقدر في مشروع القانون، ناهيك عن أن المشروع نفسه يظهر أن الأرقام المعاد تقديرها لعام 2011 قد جاءت دون المستوى المقدر في قانون الموازنة بمقدار (8.0%). وفي حال لم تتحقق نسبة النمو المقدرة، وهو المتوقع، فإن ذلك سيساهم في توسع عجز الموازنة بصورة أكبر مما جاء في مشروع القانون!
وثاني تلك الفرضيات هي تقليص بند “دعم المواد التموينية والمحروقات” بمقدار (274.0) مليون دينار، أو بحوالي (38.0%)، لتصل إلى (450.0) مليون دينار في عام 2012. وهذه الفرضية تأتي في إطار التوجه الحكومي نحو ترشيد دعم المشتقات النفطية، وربما السلع الأساسية الأخرى، وتوجيهه إلى مستحقيه من ذوي الدخل المتدني. وهذا يعني أن الحكومة ستقبل على حزمة من الإجراءات ترمي إلى إعادة النظر بأسعار السلع الأساسية، مثل الخبز، والمشتقات النفطية، واعتماد آلية تقتصر فيها الدعم للفئات المستحقة، وليس للسلعة، كما هو الحال عليه الآن. ونرى أن هذا إجراء ضروري جدا، ولكن الحكومة السابقة لم تستطع تنفيذه في ظل حالة الحراك الشعبي. ولا نعرف ما إذا كانت هذه الحكومة ستقبل على هذه الخطوة، وما هو التاريخ الذي ستراه مناسبا لتنفيذها. ومن الجدير ذكره في هذا المجال أن تقديرات مشروع القانون قد بنيت على أساس بلوغ سعر برميل النفط، في المتوسط حوالي (100) دولار، للبرميل الواحد، علما بأن العديد من بيوت الخبرة العالمية قد توقعت أن يتراوح سعر البرميل ما بين (110-130) دولارا، وبعضها ذهب إلى أبعد من ذلك متوقعا أن يتجاوز سعر البرميل (200) دولار في حال اشتدت حدة النزاع بين إيران والدول الغربية وأثرت على حركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي حال تحقق مثل هذه التوقعات فإن الموازنة ستواجه تحديات عصيبة تفوق ما يظهره مشروع القانون!
أما ثالث تلك الفرضيات فيتمثل باستمرار المستوى المريح لحجم احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية. ومن الملاحظ أن هذه الاحتياطيات قد سجلت تراجعا حادا نسبته (14.8%) في عام 2011، وهو تراجع لم يسجل منذ عام 1998! وقد جاء ذلك رغم تجاوز حجم المساعدات مستواها المقدر في قانون الموازنة بحوالي (27.0%)، ناهيك عن بعض الودائع التي تلقاها البنك المركزي والتي بلغ حجمها حوالي (500.0) مليون دولار. ولا نعرف الأسس التي تم الاستناد عليها لتقديم هذه الفرضية في ظل استمرار تراجع تدفق الاستثمارات الأجنبية، وحوالات العاملين، وتوقع انكماش حجم المساعدات، كما تشير تقديرات مشروع القانون!
ورابع الفرضيات التي تدعو إلى التساؤل هي توقع بلوغ معدل التضخم حوالي (5.5%) في عام 2012، حيث نرى هذا التوقع قد اتسم بالتحفظ الشديد، ونستطيع القول بأن معدل التضخم للعام الحالي سيتجاوز النسبة المتوقعة بكثير، وربما سيكون مزدوج الخانة، في حال أقبلت الحكومة على اتخاذ الإجراءات المتعلقة بإعادة النظر في أسعار المشتقات النفطية، وتم تنفيذ قانون المالكين والمستأجرين بشكله الحالي، وتجاوزت أسعار النفط في الأسواق العالمية مستواها المقدر في مشروع قانون الموازنة، واشتدت حدة الصراع في بعض الدول المجاورة. ولا شك أن هذا سينعكس بدوره على بعض بنود الموازنة الجارية والرأسمالية، الأمر الذي قد يسهم أيضا في توسع عجز الموازنة العامة!
أما آخر الفرضيات التي تستحق الملاحظة فهي تخصيص ما مقداره (82.5) مليون دينار لتنفيذ مشروع أعادة الهيكلة، إلى جانب قرابة (73.0) مليون دينار لتعديل رواتب المتقاعدين العسكريين، وفي حال تم زيادة نسب الزيادة التي سيتم منحها للمعلمين والمتقاعدين، استجابة لما يجري من تصعيد حاد، فإن ذلك سيؤدي إلى توسع العجز المالي بما يفوق المستوى المقدر في مشروع قانون الموازنة للعام الحالي.
والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء ما سبق هو هل سيتم تدارك أثر، وربما آثار، هذه الفرضيات على أداء الموازنة العامة عند مناقشتها في مجلس الأمة، أم أننا سنشهد حزمة من ملاحق الموازنة خلال الشهور القليلة القادمة!











No trackbacks yet.