زمن أبي براقش!

زمن أبي براقش!

د. تيسير الصمادي

في هذا الزمان الذي ماتت فيه الكثير من الضمائر، أو كادت، واختلط فيه الحابل بالنابل، وأسهمت فيه شلة القبيضة، التي باعت شرفها المهني مقابل دراهم قليلة أو كثيرة، في تضليل الرأي العام لخدمة أجندات شخصية، أصبح الكذب سلاح البعض من أشباه الرجال الذين خانوا الأمانة، وانقلبوا على المؤسسات التي خدموا فيها، وعلى البرامج والسياسات التي ساهموا في إعدادها، لا لشيء إلا لتفريغ أحقادهم، أوالانتقام ممن طردوهم من مواقعهم، التي وصلوا إليها في غفلة من الزمن، أو لتقديم قرابين تنجيهم من لعنة الناس وحكم القانون جرّاء ما اقترفت أيديهم! نعم لقد كثر كذب هؤلاء، ورقصوا على الحبال، وبدلوا مواقعهم غير مرة، حتى أصبح وصف “أبي براقش” قليل في حقهم! و”أبو براقش”، لمن لا يعرف، هو وصف كانت تطلقه العرب على الكذاب المتلوّن، تشبيهاً له بطائر منقّط بألوان النقوش يتلوّن في اليوم الواحد بأكثر من لون، فيخدع الناس ويصعب عليهم تمييزه!

فقد تابعنا خلال الاسابيع الماضية تصريحات وكتابات كاذبة لِعيّنةٍ من هؤلاء، حاولوا من خلالها القفز على الحقائق، وخلق بطولات وهمية ومواقف زائفة، متخذين من الشعب المسكين مطيّة لتحقيق الشهرة، وإظهار شخصوهم البائسة بمظهر المدافعين عن حقوق الناس، والمضحّين بمواقعهم ومكتسباتهم من أجل المحافظة على مقدرات الوطن ومكتسباته! وقد كان من الطبيعي أن يلقى هؤلاء بعضاً من العطف والشفقة من قبل الناس الذين يجهلون ماضيهم، وأساليبهم الشيطانية في الوصول الى مرادهم، وأن تتلقفهم بعض المكونات السياسية التي تبحث عن تعزيز شعبيتها على حساب المصلحة الوطنية!

ونستطيع الجزم أن الدوافع وراء المواقف الجديدة لهؤلاء تتباين من “أبي براقش” إلى “أبي براقش” آخر، مع أنها أخذت نفس الشكل تقريباً! فبعضهم جاءت تصرفاته للهروب من الفشل الوظيفي، بعد أن كانوا يمنّون النفس بالوصول الى مواقع متقدمة وصل إليها بعض من كانوا يعملون تحت إشرافهم، وبعضهم كان دافعه تصفية حسابات مع آخرين، وبعضهم تصرف بطلب من “حلفاء” أدركوا أنهم سينتهوا وراء القضبان، معتقدين أن كتابات وتصريحات “البراقشيين” من أتباعهم قد تخلط الأوراق وتنجيهم من المصير المحتوم! أما البعض الآخر، فقد جاءت تصرفاتهم، من كتابات وتصريحات، بمثابة خطوة استباقية تنجيهم من العقاب الذي يستحقون بسبب ممارساتهم، فحاولوا إما تقديم اعتذارات مبطنة أخذت، في بعض الأحيان، شكل الانقلاب على أسيادهم، أو تسجيل مواقف تجعل توجيه التهم إليهم في قادم الايام تبدوا وكأنها شكلاً من أشكال الانتقام من مواقفهم “الشريفة”، وهي أبعد ما تكون عن الشرف! ولكن الكثير منهم كان يتصرف برعونة وانفعال، وبشكل لا يخلوا من الاعتراف المبطّن بكل ما اقترفت أيديهم، حتى انطبق عليهم المثل القائل “كاد المريب أن يقول خذوني”ّ!

ولا نجد غرابة في كل ذلك إذا ما علمنا أن روايات بدأت تنتشر حول ثروات طائلة جناها بعض هؤلاء من خلال ممارسات غير قانونية وغير أخلاقية في مؤسسات عملوا فيها سابقاً، وأن بعضهم كانوا “كتبتة” أو “كتيبة” تُنشر مقالات بأسمائهم دون أن يقوموا بكتابتها، وفي أحسن الأحوال كانت تُملى تلك المقالات عليهم! وبعضهم كان شريكاً مع بعض الفاسدين لإتمام صفقات مشبوهة، فيها ضرر للمجتمع والاقتصاد الوطني.

وقد كانت محصِّلة كل ذلك زيادة درجة الاحتقان، والتشكيك بمؤسسات الدولة، وتهديد السلم الاجتماعي، ونشر الآفات الاجتماعية، وفي مقدتها الكذب وتزوير الحقائق، وهي جرائم أخلاقية تستحق تغليظ العقاب بحق هؤلاء الكاذبين المنافقين الذين خانوا الأمانة، وكذبوا في الحديث، وغدروا من إئتمنهم، وفي مقدتهم الشعب المسكين، وفَجَروا في خصامهم مع الآخرين! متناسين، أو غير آبهين بحقيقة أن الله، سبحانه وتعالى، قد حرّم الكذب في حوالي 280 موضعاً من القرآن الكريم!

ولكن حبل الكذب قصير، ولا يساورنا أدنى شك أن حقيقة  كل “أبي براقش” من هؤلاء ستنكشف، وعندها سيحتقرهم الناس الذين خُدِعوا من قبلهم، وسينالون ما يستحقه أمثالهم من العقاب في الدنيا والآخرة، “والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون”. صدق الله العظيم.

حبل الكذب قصير

  1. No trackbacks yet.

▶ ▷ التعليقات/ اترك رداً ◀ ◁

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.