أحجية المعارضة الأردنية مع الإصلاح!
د. تيسير رضوان الصمادي
قبل عام ونيف انطلق الحراك الشعبي من مدينة مادبا في ظل غياب واضح لأحزاب وقيادات مؤثرة، ولكنه بدأ يتوسع لتشارك فيه قوى وحركات وأحزاب يسارية وقومية وبعض الشخصيات ذات الثقل العشائري، وسرعان ما انضمت إليه الحركة الإسلامية ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين، التي طالما حظيت بالرعاية الرسمية، وحزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي للجماعة. وفي ظل تبعثر الجهات الأخرى المشاركة في الحراك وضعف تنظيمها ومحدودية تأثيرها العقائدي فقد استطاعت الحركة الإسلامية اختطاف الحراك وتجييره لمصلحتها في المقام الأول تحت سمع وبصر “الشركاء” الذين قبلوا، طائعين أو كارهين، الدخول في تحالفات مع الحركة، وهم يعلمون أنها تحالفات آنية تستغلها الحركة متى شاءت وكيف شاءت!
وقد كانت بعض أطراف الحراك الأخرى، وما زالت، تبدي تخوفها من أن ينتهي الأمر كما انتهى إليه في تونس ومصر؛ ففي تونس بدأت الثورة أيضا دون قيادات ثم ساهمت الحركات اليسارية في تصعيدها، وما أن جاءت الانتخابات حتى سيطر حزب النهضة على العدد الأكبر من مقاعد الجمعية التأسيسية والمناصب الأبرز في الحكومة! وتكررت القصة في مصر، حيث كانت القوة الدافعة للثورة ضد نظام مبارك مجموعة من الشباب الذين استطاعوا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لحشد بضعة ألاف للتظاهر في ميدان التحرير، وربما كانت حركة 6 إبريل، حديثة النشأة، والتي لا تقوم على ايدولوجية معينة، هي الحركة الوحيدة التي كانت في صدارة الحراك، إلى جانب ما سمي، فيما بعد، بحركة شباب ثوره 25 يناير! أما جماعة الإخوان المسلمين فقد كانت غائبة عن المبادرة، حالها كحال أحزاب عريقة أخرى مثل حزب الوفد، بل إن البعض وجه سهام النقد للحركة والوفد لتحيزهما إلى جانب النظام في بادئ الأمر! وكذلك كان حال السلفيين الذين حاولوا الاعتداء على المتظاهرين ضد نظام مبارك، وخصوصا في الإسكندرية، بحجة “الخروج عن طاعة ولي الأمر”! ولكن عندما أدرك الجميع أن الثورة مستمرة وأن احتمالات نجاحها أصبحت تفوق احتمالات الفشل قفزوا إلى المركب، الذي اقترب من شاطئ الأمان، واستولوا على دفة القيادة بفضل تنظيمهم وخبرتهم وقواعدهم وخطابهم! وعندما جاءت الانتخابات حصدت الحركة الإسلامية، بشقيها، غالبية مقاعد مجلس الشعب، فيما حظي مطلقو شرارة الثورة بالفتات!
وعودة إلى الحالة الأردنية، فكما يعلم الجميع كانت شعارات الحراك تركز على محاربة الفساد والإصلاح الاقتصادي والسياسي، بما في ذلك إقالة الحكومة وحل مجلس النواب، ثم تطور الأمر للمطالبة ببعض الإصلاحات الدستورية! وقد كان للحراك ما أراد، فقد قدمت رؤوس كبيرة إلى المحاكمة بسبب التجاوزات التي قامت بها إبان توليها المواقع الرسمية واستقالت حكومتان في أقل من عام، وجاءت حكومة ثالثة أبدت ودا وتقربا غير مسبوقين من الحركة الإسلامية وأتباعها، وبادر الملك إلى تشكيل لجنة خرجت بإصلاحات واسعة على الدستور، كانت تفوق المطالب الأولية للحراك، وتم تشكيل لجنة للحوار الوطني خرجت بتوصيات حول منظومة التشريعات الناظمة للحياة السياسية والتي يتوقع أن ترسلها الحكومة إلى مجلس النواب خلال الأسابيع القادمة! وكانت المفاجأة، التي ربما توقعها قلة من السياسيين المحنكين، تقليل المعارضة، بقيادة الحركة الإسلامية بطبيعة الحال، من شأن تلك الإصلاحات ووصفها ب “التجميلية”!
ومع ذلك فقد استمرت مسيرة الإصلاح برعاية مباشرة من الملك، الذي أعلن قبل أيام أن الانتخابات البرلمانية والبلدية ستجري قبل نهاية العام. وبدلا من أن ترحب المعارضة، تحت قيادة الإسلاميين، بهذه الخطوة فاجأت الكثيرين برفضها المشاركة في أي انتخابات قبل تنفيذ المزيد من الإصلاحات، وخصوصا تلك التي “تضمن عودة السلطة إلى الشعب” حسب تعبير قيادات الحركة! وبدا أن المعارضة لم تعد في عجلة من أمرها لخوض الانتخابات، بل وتحاول وضع العربة أمام الحصان لإعاقة تعزيز العملية الديمقراطية مرة أخرى! ولكن هذه المرة ربما تكون الأسباب غير الأسباب، وخصوصا من قبل الحركة الإسلامية. فالأخيرة تريد أن تكسب مزيدا من الوقت لسببين؛ الأول هو محاولة “قصقصة أجنحة” أطراف الحراك الأخرى وتحجيمها بشكل أكبر حتى تتفرد بأغلبية مقاعد البلديات والبرلمان، كما حدث في تجربتي تونس ومصر، أما الثاني، وهو الأهم، فهو المراهنة على نتيجة الأحداث في سورية، حيث تأمل الحركة الإسلامية بسقوط النظام الحالي ووصول الإسلاميين هناك إلى سدة الحكم في الجارة الشقيقة، وبذلك تزداد أوراق الضغط التي تمتلكها وتحاول من خلالها الحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب على حساب المصلحة الوطنية و”الشركاء” والأحزاب الوسطية، التي آثرت عدم المشاركة في الحراك لتجنيب البلد مزيدا من التأزيم، ولجأت إلى الأطر السياسية والحزبية لطرح أفكارها ووجهات نظرها في مختلف التطورات والمحاور!
واستعدادا منها لذلك، فقد بدأت الحركة الإسلامية تعلن على لسان قياداتها أنها بصدد إعادة النظر في قراراتها السابقة بعدم التحاور مع الدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، مع أن الكثير من الأخبار قد أشارت إلى عقد اجتماعات بين الإسلاميين وممثلين للدول الغربية، بمستويات مختلفة في السابق! ولكن ما يمكن فهمه من التصريحات الأخيرة أن اللقاءات والمشاورات القادمة ستعقد في العلن، وربما تقدم فيها المعارضة، وعلى رأسها الإسلاميون، تطمينات في بعض القضايا الحساسة، وهو ما حدث تماما في كل من تونس ومصر، علما بأن وفدا من الحركة في الأردن قد زار مصر لتقديم المباركة للحركة الإسلامية والاستفادة من تجربتها، وربما الالتقاء برئيس جماعة الإخوان في مصر، الذي عادة ما يكون رئيس “التنظيم العالمي” لجماعة الإخوان المسلمين في كل دول العالم، ويملك تأثيرا على سياساتها وتوجهاتها!
وبعد، فقد آن الأوان لأحزاب المعارضة والأحزاب التي تؤمن بالديمقراطية وتريد المشاركة فيها للوصول إلى البرلمان، وربما الحكومات، التي أكد الملك أنها ستشكل على أسس حزبية وبرلمانية بعد الانتخابات المبكرة، لأن تبدأ بإعداد العدة للمشاركة في الانتخابات، وتساهم في إنجاح المسيرة الديمقراطية، بعيدا عن التأثيرات الجانبية والخارجية، وأن تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار.










No trackbacks yet.