في تطور الدين العام والعجز المالي: للموضوعيين فقط!

في تطور الدين العام والعجز المالي: للموضوعيين فقط

د. تيسير رضوان الصمادي

كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول تطور حجم الدين العام والعجز المالي والأسباب والسياسات التي أسهمت في تضخمهما خلال العقد الماضي. وللأسف فقد كانت معظم التحليلات التي كتبت في هذا الموضوع تأتي من كتاب غير اقتصاديين، أو من كتاب اقتصاديين لا يفقهون أساسيات التحليل، أو يفتقرون إلى الموضوعية في كتاباتهم، أو يريدون الوصول إلى نتائج تخدم وجهات نظر معينة! وقد كانت أبرز السياسات والبرامج التي ألقي عليها اللوم في هذا الإطار تتمثل في سياسات التحرير الاقتصادي وبرنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي! وبعيدا عن كل ذلك، فقد ارتأينا أن نطلع القراء على تطور حجم المديونية العامة والعجز المالي خلال العقد الأخير، مستندين إلى لغة الأرقام، التي نعلم مسبقا أن البعض لا يؤمن بها أو لا يريد الاستناد إليها لأنها ستكشف زيف ما يدعون!

حيث تشير البيانات الرسمية، الصادرة عن وزارة المالية، إلى أن حجم الدين العام قد ارتفع من 6.3 مليار دينار في 2000 إلى 7.5 مليار دينار في عام 2005، وهي السنة التي انتهى فيها برنامج التحول، ليسجل نموا نسبته 19% خلال ستة سنوات، أي بمعدل 3.2% سنويا. أما خلال الفترة 2006-2010، فقد قفز حجم الدين العام بحوالي 56%، ليصل إلى حوالي 12.6 مليار دينار في عام 2010، مقارنة مع ما مقداره 8.1 مليار دينار في عام 2006، أي بمتوسط سنوي نسبته 11.2%. وهذا يؤكد، بما لا يدع مجالا للشك، على أن التسارع في تضخم حجم المديونية قد جاء في الفترة التي تلت تنفيذ البرنامج المذكور، ولم تكن نتاجا له، علما بأنه لم يتم تمويل أي من مشاريعه من موارد الخزينة الذاتية، كما أصبح معروفا لدى جميع المتابعين المنصفين! ولو أن هذه المشاريع كانت قد نفذت من خلال موارد الخزينة لتوسع حجم العجز المالي والمديونية العامة بحجم تمويل المشاريع الذي قارب على نصف مليار دينار! أما سياسات التحرير الاقتصادي فهي الأخرى بريئة من هذه التهمة لأنها خففت، إلى حد ما، من عبء الدعم على الموازنة العامة وساهمت في استقطاب الاستثمار ورفد الخزينة بالمزيد من المصادر، على شكل ضرائب أو عوائد لما تم خصخصته من المؤسسات العامة، أو وقف الدعم الذي كانت توفره الخزينة لبعض تلك المؤسسات.

ومن الجدير ذكره، في هذا المجال، أن قيام الحكومة في عام 2008، بتنفيذ عملية الشراء المبكر للقروض التصديرية مع أعضاء نادي باريس، التي بلغت قيمتها الاسمية حوالي 2.4 مليار دولار، بسعر خصم مقداره 11.0%، قد ساهم في خفض حجم الدين العام الخارجي بحوالي 1.7 مليار دينار، ناهيك عن تجنيب الحزينة فوائد تقدر بحوالي مليار دينار كانت ستترتب على تلك الديون لو بقيت قائمة. وقد جاءت تلك الخطوة انسجاما مع التوجه الحكومي المتمثل بالعودة إلى الاقتراض الخارجي لتلافي مزاحمة القطاع الخاص على الاقتراض المحلي، ناهيك عن تدني الكلفة النقدية، أو سعر الفائدة، على الاقتراض الخارجي مقارنة بالاقتراض الداخلي.

أما الأسباب الحقيقية لنمو الدين العام بصورة مقلقة خلال السنوات القليلة الماضية فتتمثل بتضخم حجم العجز في الموازنة العامة نتيجة لعدد من الصدمات الخارجية التي تعرض لها الاقتصاد الوطني خلال النصف الثاني من العقد السابق. وقد كان أبرز تلك الصدمات الارتفاعات المتوالية في أسعار النفط والسلع الأساسية في الأسواق العالمية، والتقلب في حجم المساعدات الخارجية من عام إلى آخر، وعدم اتخاذ الحكومات المتتالية إجراءات مناسبة للتخلص تماما من الدعم المباشر للسلع والخدمات الأساسية، علما بأن مثل هذا الدعم عادة ما يستفيد منه الأغنياء قبل الفقراء. وها هي الحكومة تتحدث مجددا عن هذه المشكلة وتبدي نيتها ترشيد الدعم من خلال توجيهه إلى المستحقين وليس إلى السلع، أي تحويله من دعم غير مباشر إلى دعم مباشر!

وعودة إلى لغة الأرقام فقد ارتفع سعر برميل النفط في عام 2005 ليصل إلى 53 دولارا للبرميل مقابل 38 دولارا للبرميل في العام السابق، أي بنمو نسبته حوالي 40%، كما انكمشت المساعدات الخارجية في ذلك العام بحوالي 311 مليون دينار عن مستواها في عام 2004 ولم تتجاوز نصف حجمها المقدر في قانون الموازنة لذلك العام! وفي ضوء ذلك فقد ارتفع حجم العجز المالي ليصل إلى 477.8 مليون دينار في عام 2005، مقارنة مع ما مقداره 204 مليون دينار في عام 2000. وفي ضوء استمرار ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية في الأسواق العالمية، وارتفاع حجم الدعم الذي تتحمله الموازنة العامة، وعدم اتخاذ إجراءات لمنع التوسع في الإنفاق الجاري، وخاصة في بند الدعم، فقد واصل عجز الموازنة العامة توسعه ليتجاوز مليار دينار في عام  2010 بعد أن وصل إلى قرابة 1.5 مليار دينار في عام 2009.

ويتضح من هذا التحليل الرقمي المبني على الحقائق التي يمكن التثبت منها من خلال الرجوع إلى مختلف التقارير الاقتصادية، الحكومية والدولية والخاصة، أنه لم يكن هناك أي تأثير سلبي لسياسات التحرير الاقتصادي وبرنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي، تحديدا، على العجز المالي والمديونية العامة، بل على العكس من ذلك فإن تلك البرامج والسياسات كان لها أثر إيجابي في هذا المجال، والسؤال الموضوعي الذي يجب أن يطرح هنا هو ماذا كان سيكون عليه حال العجز والدين العام دون تنفيذ تلك السياسات والبرامج!   

 

الدين العام

الدين العام

   

حول مشروع قانون الموازنة

 

حول مشروع قانون الموازنة 

د. تيسير رضوان الصمادي

قامت الحكومة بإعداد مشروع قانون الموازنة لسنة 2012 في ظل ظروف بالغة الصعوبة وقدمته إلى مجلس النواب تمهيدا لإقراره. وبعد مناقشات ماراثونية استغرقت شهرين من الزمن، ها هي اللجنة المالية في المجلس الموقر توافق على مشروع القانون، كما جاء من الحكومة، بعد تردد ملحوظ في رده لإجراء بعض الملاحظات، التي قالت اللجنة أنها جوهرية، فيما قالت الحكومة أنها شكلية الطابع! وإذا صحت الروايات بأن اللجنة قد اعترضت على بند المساعدات الخارجية ووجدته مفرطا في التفاؤل وكانت تنوي الطلب من الحكومة تقليص هذا البد مقابل تقليص النفقات الرأسمالية، فإننا نعتقد أنها قد جانبت الصواب في ذلك، ليس لأننا نملك من القرائن ما يعزز من وجهة النظر الحكومية، ولكن لأننا نعتقد أن وجود مثل هذا الرقم قد يقوي من موقف الحكومة أمام مجتمع المانحين، ناهيك عن أن تقليص النفقات الرأسمالية ليس مطلبا موضوعيا في ظل ظروف تشهد تباطؤا في معدلات النمو الاقتصادي!   

وعند النظر في بيانات مشروع القانون نجد أن Read more

زمن أبي براقش!

زمن أبي براقش!

د. تيسير الصمادي

في هذا الزمان الذي ماتت فيه الكثير من الضمائر، أو كادت، واختلط فيه الحابل بالنابل، وأسهمت فيه شلة القبيضة، التي باعت شرفها المهني مقابل دراهم قليلة أو كثيرة، في تضليل الرأي العام لخدمة أجندات شخصية، أصبح الكذب سلاح البعض من أشباه الرجال الذين خانوا الأمانة، وانقلبوا على المؤسسات التي خدموا فيها، وعلى البرامج والسياسات التي ساهموا في إعدادها، لا لشيء إلا لتفريغ أحقادهم، أوالانتقام ممن طردوهم من مواقعهم، التي وصلوا إليها في غفلة من الزمن، أو لتقديم قرابين تنجيهم من لعنة الناس وحكم القانون جرّاء ما اقترفت أيديهم! نعم لقد كثر كذب هؤلاء، ورقصوا على الحبال، وبدلوا مواقعهم غير مرة، حتى أصبح وصف “أبي براقش” قليل في حقهم! و”أبو براقش”، لمن لا يعرف، هو وصف كانت تطلقه العرب على الكذاب المتلوّن، تشبيهاً له بطائر منقّط بألوان النقوش يتلوّن في اليوم الواحد بأكثر من لون، فيخدع الناس ويصعب عليهم تمييزه!

فقد تابعنا خلال الاسابيع الماضية تصريحات وكتابات كاذبة لِعيّنةٍ من هؤلاء، حاولوا من خلالها القفز على الحقائق، وخلق بطولات وهمية ومواقف زائفة، متخذين من الشعب المسكين مطيّة لتحقيق الشهرة، وإظهار شخصوهم البائسة بمظهر المدافعين عن حقوق الناس، والمضحّين Read more

أحجية المعارضة الأردنية مع الإصلاح!

د. تيسير رضوان الصمادي

قبل عام ونيف انطلق الحراك الشعبي من مدينة مادبا في ظل غياب واضح لأحزاب وقيادات مؤثرة، ولكنه بدأ يتوسع لتشارك فيه قوى وحركات وأحزاب يسارية وقومية وبعض الشخصيات ذات الثقل العشائري، وسرعان ما انضمت إليه الحركة الإسلامية ممثلة بجماعة الإخوان المسلمين، التي طالما حظيت بالرعاية الرسمية، وحزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسي للجماعة. وفي ظل تبعثر الجهات الأخرى المشاركة في الحراك وضعف تنظيمها ومحدودية تأثيرها العقائدي فقد استطاعت الحركة الإسلامية اختطاف الحراك وتجييره لمصلحتها في المقام الأول تحت سمع وبصر “الشركاء” الذين قبلوا، طائعين أو كارهين، الدخول في تحالفات مع الحركة، وهم يعلمون أنها تحالفات آنية تستغلها الحركة متى شاءت وكيف شاءت!

وقد كانت بعض أطراف الحراك الأخرى، وما زالت، تبدي تخوفها من أن ينتهي الأمر كما انتهى إليه في تونس ومصر؛ ففي تونس بدأت الثورة أيضا دون قيادات ثم ساهمت الحركات اليسارية في تصعيدها، وما أن جاءت الانتخابات حتى سيطر حزب النهضة على العدد الأكبر من مقاعد الجمعية التأسيسية والمناصب الأبرز في الحكومة! وتكررت القصة في مصر، حيث كانت القوة الدافعة للثورة ضد نظام مبارك مجموعة من الشباب الذين استطاعوا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لحشد بضعة ألاف للتظاهر في ميدان التحرير، وربما كانت حركة 6 إبريل، Read more

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.