قادة الرأي والشارع: من يقود من؟
قادة الرأي والشارع: من يقود من؟
د. تيسير رضوان الصمادي
عندما تمر الدول في منعطفات مفصلية من تاريخها، لأسباب داخلية أو خارجية، تلجأ عادة إلى المخزون الفكري والثقافي والتاريخي الذي تراكم لدى قادة الرأي العام، من سياسيين ومفكرين وصحفيين، الذين اكتسبوا خبرة من خلال مواقعهم القيادية في القطاعين العام والخاص، واطّلاعهم على تجارب الدول الأخرى، واستفادتهم من القراءة التحليلية الموضوعية للتاريخ. ولا ينطلق ذلك من انتقاص القدرات الفكرية والقيادية للآخرين، ولكنه يقوم على إدراك حقيقة بالغة الأهمية مفادها أن الغالبية العظمى من الناس تحركهم العاطفة، وقد تدفعهم خبراتهم المحدودة إلى تغليب الخاص على العام، كما أن نقص خبرتهم العملية والفكرية قد يحد من قدرتهم على استقراء المستقبل، ويدفع بعضهم لتفضيل العيش في الأجل القصير، كما أن بعضهم قد يندفع إلى المبالغة في التغيير السريع، أو المطالبة به، دون أن يوازن بين نتائج التحول السريع غير المدروس ونتائج التحول المتئد الذي يقوم على دراسات متزنة ومفاضلة بين الأولويات للوصول إلى أفضل النتائج وأقلها تكلفة من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية!
ولنا في التاريخ العربي والإسلامي خير دليل على ذلك، حيث كان الناس يلجئون في المنعطفات الهامة من حياتهم للأئمة والمجتهدين وأصحاب الرأي الذين لم يكونوا يبخلوا في تقديم النصح والمشورة، واستنباط الحلول لتوحيد الكلمة وجمع الصفوف والابتعاد عن نشر الشائعات والأقاويل المضللة والخوض فيما لا ينفع الناس، ولا شك أن هذا دور هؤلاء في كل زمان ومكان. وتزداد أهمية الدور الذي يفترض أن يقوموا به عندما يكثر المنظرون والمحللون من أصحاب الأجندات التي قد لا تخدم بالضرورة المصلحة العامة وإنما تخدم مصلحة أو مصالح ضيقة، أو تهدف إلى تحقيق قواعد شعبية يستفيد منها أصحاب الآراء المضللة، على الرغم من أنهم قد يدّعون في الأغلب غير ذلك! وتكمن الخطورة في أن الجماهير قد تعتنق بعض الآراء وتتخذ بعض المواقف ليس لأنها تقتنع بها ولكن لأنها تؤمن بكل بساطة بأن هذه الآراء والمواقف تتفق مع رأي الأغلبية أو الرأي الشائع حتى لو كان غير صحيح! وكأن منطقهم في ذلك يقوم على المثل القائل بأن الحشر مع الناس عيد!
ومما يؤسف له أن المتابع لما يكتب ويقال في هذه الأيام، حول مختلف القضايا الوطنية، يلاحظ أن عددا لا يستهان به من قادة الرأي العام قد تخلوا عن فكرهم وقناعاتهم، بقصد أو بدون قصد، وأصبحوا تبعا لآراء الشارع. وتجد لدى هؤلاء العديد من الحجج الواهية التي يطرحونها، في السر والعلن، لتبرير مواقفهم التي تخالف المنطق؛ فمنهم من يدّعي أنه انحاز إلى رأي الناس، ومنهم من يقول على استحياء بأنه غير قادر على التأثير في ظل الموجة الجارفة التي تجتاح الشارع من قبل قلة ذات صوت مرتفع! وأنه يخاف من التهم التي قد تكال ضده إذا أسيء فهم موقفه، وإلى جانب هؤلاء هناك قلة قليلة ممن باعوا فكرهم أو أقلامهم وأصبحوا مضطرين لأن يكتبوا ويقولوا حسب “رغبة المشتري”، وقد يكون هؤلاء الأكثر خطورة لأنهم لا يتبعون رأي الشارع فحسب، بل هم ممن ساهموا ابتداءا في تلويثه وتضليله، وما زالوا يصبون المزيد من الزيت على النار! وإذا كان يفترض في الكاتب أن يعرض عقله وفكره على الناس، فإن هؤلاء تحولوا إلى مجرد “كتبة” يعرضون أفكار غيرهم من “الأيادي الخفية” ويعملون على تجميلها، علما بأن تلك الأفكار والمواقف لو جاءت من “أصحابها الحقيقيين” لقوبلت بالرفض المطلق!
إلى جانب ذلك فإن المراقب يحتار في شأن معظم المسؤولين السابقين الذين ساهموا في صياغة وإقرار العديد من السياسات والخطط عندما كانوا في السلطة، ثم اختاروا الانكفاء ولم يكلفوا أنفسهم عناء الخروج إلى العلن وشرح الظروف والدوافع والأسباب التي دعتهم إلى اتخاذ ما اتخذوه من قرارات وإجراءات في حينه، في الوقت الذي تتعرض فيه تلك القرارات والإجراءات والسياسات إلى حملة من ممنهجة من التشويه والاتهام! وقد يكون أحد الاستثناءات القليلة ما قام به رئيس الوزراء السابق د. معروف البخيت ومجموعة من الوزراء السابقين في الرد على لجنة الفوسفات النيابية، حيث بيّن التقرير الذي قدمه الدكتور البخيت الكثير من مواطن الخلل في تقرير اللجنة النيابية ونجح في إماطة اللثام عن الكثير من الحقائق والوقائع التي أسقطت من التقرير النيابي، مما أسهم في توعية الرأي العام وعدم تركه لجهة واحدة تتحكم في توجيهه! ونعتقد أن مثل هذه الممارسات الايجابية ستكون كفيلة بتوعية الرأي العام حول العديد من القضايا المماثلة التي تعرضت للتشويه على مدار السنوات القليلة السابقة.
بطبيعة الحال ليس المقصود مما سبق دعوة قادة الرأي للاصطفاف مع طرف دون آخر، ولكن المطلوب منهم هو أن يكونوا قادة بمعنى الكلمة، وأن لا يتحولوا إلى مجرد تابعين لا حول لهم ولا قوة! وهذا يعني التحلي بالشجاعة الأدبية والأخلاقية فيما يكتبون ويقولون، وعرض الحقائق وإبداء الآراء والمواقف، المبنية على الخبرة العملية والرؤية الناضجة، والتي من شأنها أن تسهم في الوصول بهذا البلد إلى بر الأمان، انطلاقا من قوله تعالى ” وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”، فالتاريخ يسجل المواقف ولن يرحم من اتخذوا من “أبي براقش”، راغبين أو كارهين، قدوة لهم!










